التجارة والبيئة : الواقع والتوجهات

 

 

 

 

1-          مقدمة :

 

من الملاحظ خلال العقد الماضي أن القضايا البيئية فرضت نفسها بقوة على كافة المستويات الدولية والإقليمية والوطنية وفي جميع مختلف الأنشطة ، خاصة بعدما بلغت الأوضاع البيئية حدودا حرجة أوشكت على الاختلال ، ولم تعد تلك القضايا تشكل هاجسا يهدد المستقبل وحسب ، بل أصبحت واقعا جسيما يهدد حياة الأجيال الحاضرة ، فالموارد الطبيعية غير المتجددة مهددة بالنضوب والتنوع الإحيائي مهدد بالانقراض وظواهر التغيرات المناخية تتزايد في صورة موجات حادة من الجفاف أو الفيضانات المهلكة نتيجة لما أسفرت عنه الأنشطة البشرية من انحسار للغابات وأتساع رقعة التصحر وارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون وتآكل طبقة الأوزون وظاهرة الدفء العالمي وغيرها من مظاهر الإختلالات البيئية.

 

وبالتالي كان من الضروري أن تقفز القضايا البيئية في مقدمة أولويات الاهتمام على الصعيد العالمي ، وأن تعمل جميع الدول المتقدمة منها والنامية على حد سواء من أجل مواجهة تلك القضايا ومعالجتها ، وفي هذا الإطار أيضا كان من الضروري أن تكون القضايا والاعتبارات البيئية من الموضوعات الهامة التي تفرض نفسها على سياسات ونظم التجارة الدولية.

 

وفي هذا الصدد يسعى المجتمع الدولي إلى بلوغ صيغة مناسبة من التوفيق بين أهداف تحرير التجارة الدولية وإزالة العوائق المقيدة لها ، وبين الأهداف البيئية التي قد تضع قيودا على المبادلات التجارية وتشكل نوعا جديدا من التدابير الحمائية أمامها ، فبينما لا تزال الدول النامية تحاول توفيق أوضاعها بما يتماشى والمقررات التي أسفرت عنها جولة الأوروجواي وتبعات والتزامات عضوية منظمة التجارة العالمية ، تأتي التوجهات الحثيثة للدول المتقدمة نحو تضمين الاعتبارات البيئية في نظم وسياسات التجارة الدولية حيث تتخذ هذه التوجهات أنماطا وصورا تدعو إلى مزيد من التخوف والريبة من جانب الدول النامية ، فالدول المتقدمة في توجهاتها تلك لا تكتفي بفرض تدابير تجارية بيئية عادلة تضمن لكافة الدول درأ أية مخاطر محتملة على السكان والنبات والحيوان وإنما تعمل على فرض معاييرها البيئة الوطنية على غيرها من الدول المتعاملة معها حيث تمتد هذه المعايير ليس فقط إلى المنتجات ذاتها من حيث الخصائص والمواصفات وإنما إلى ظروف الإنتاج وطرقة Production Methods &Process والإطار التنظيمي والتشريعي الذي يحكمه في الدول المنتجة بعض النظر عما ينطوي على ذلك من قيود حمائية تتعارض مع اعتبارات تحرير التجارة الدولية .

 

إن القضايا المطروحة عالميا حول التجارة والبيئة تحمل في واقع الأمر أهدافا ومقاصد نبيلة غير أن تباين الاهتمامات البيئة في المرحلة الحالية بين الدول النامية والمتقدمة ، وكذلك اختلاف مراحل التطور الاقتصادي لكل منها إنما يدعو الدول النامية إلى قدر من الارتياب والتحفظ حول التوجهات المثارة ويدعوها إلى الانتباه لما يمكن أن ينطوي عليه طرح تلك القضايا من تحيز ملحوظ لغير صالحها وما يتوقع له من آثار لا يستهان بها على أوضاع التجارة والتنمية في تلك الدول .

 

 

 

2-          التجارة والبيئة الواقع والتوجهات

 

في إطار اتفاقية الجات GATT تطورت السياسات الدولية في اتجاه تحرير التجارة العالمية في السلع والخدمات، بحيث تقوم التجارة على أساس عدم التمييز بين الدول، غير أنه في إطار اتفاقية الجات لا توجد أحكام أو اتفاقيات محددة حول القضايا البيئة ولم تحدد مستويات أو معايير بيئية للتجارة ، فعلى سبيل المثال لا توجد قواعد معينة للتمييز بين الأخشاب المصدرة من دول تتبع أولا تتبع سياسات مستدامة في إدارة مواردها الغابية، أو منتجات اللحوم من الماشية التي تربي وفق نظام الرعي المفتوح أو في حظائر مغلقة ، وبالتالي كانت هذه المعايير آحادية الجانب من بين الأسباب التي أدت إلى تعدد النزاعات والقضايا التجارية ذات العلاقة بالاعتبارات البيئية بين الدول ، فالولايات المتحدة على سبيل المثال فرضت حظرا في أوائل التسعينات على شحنات التونة المكسيكية إليها ليس لأسباب تتعلق بالسعلة نفسها ، وإنما لأن الصيادون المكسيكيون يستخدمون شباكا تؤدي إلى قتل الدلافين الأمر الذي يتناقض مع المواصفات المحلية الأمريكية للشباك المستخدمة في الصيد من أجل حماية الدلافين.

 

وإذا كانت الجات في جولتها الأخيرة في الأوروجواي لم تتضمن اتفاقية بيئية محددة ، إلا أن الاتفاقية الخاصة بمعايير الصحة والصحة النباتية (SPS) Sanitary and Phytosanitary Measures   قد حددت التدابير التي يمكن أن تتخذها الدول لحماية السكان والنبات والحيوان من أية مخاطر لانتقال الأوبئة والأمراض أو الكائنات الناقلة لها عبر النباتات أو الحيوانات أو مشتقاتها أو المواد المضافة والملوثات والسموم في الأغذية والمشروبات.

 

كما أن اتفاقية القيود على التجارة  (TBT )  Agreement on Technical Barriers on Trade تقدم القواعد الفنية التي تتفق والأهداف البيئة بطريقة أكثر وضوحا حيث تشير هذه الاتفاقية إلى أنه ليس لأي دولة الحق من أن تمنع دولة أخرى من تطبيق المعايير التي تراها ضرورية لحماية صحة وحياة الإنسان والنبات والحيوان بشرط ألا تشكل هذه المعايير وسائل تمييز غير مبررة.

وخلال المراحل النهائية لجولة الأوروجواي وخاصة الاجتماع الوزاري الذي عقد في مراكش والذي أسفرت عن الإعلان عن إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO أخذت الاعتبارات البيئية اهتماما أكثر وضوحا وتزايدا،  حيث وردت تلك الاهتمامات في نص الديباجة الخاصة باتفاقية هذه المنظمة العالمية إذ ورد في تلك الديباجة "أن الدول الأطراف بحاجة إلى حماية وصيانة البيئة وزيادة الوسائل الكفيلة بتنفيذ ذلك على النحو الذي يتناسق مع متطلبات واهتمامات كل منها وفق المستويات المختلفة للنمو الاقتصادي".

 

وفي اجتماع مراكش أيضا طالبت الدول وبخاصة المتقدمة بأهمية تكوين لجنة فرعية تهتم بتنسيق السياسات المتعلقة بالتجارة والبيئة Committee on Trade & Environment حيث تم وضع العناصر المرجعية لمهامها التي تتمثل في ما يلي:

 

        §          العلاقة بين الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف وقواعد التجارة بمنظمة التجارة العالمية.

   §    العلاقة بين نظام التجارة العالمي وفرض الرسوم لأغراض بيئية والمتطلبات الخاصة بالمنتج بما فيها المقاييس الفنية والعنونة وعلامات الغلاف Eco-labeling.

        §          العلاقة بين آلية فض المنازعات بمنظمة التجارة العالمية وتلك الخاصة بالاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف.

        §          أثر استخدام المعايير البيئية على النفاذ إلى الأسواق وبالأخص على الدول النامية.

        §          تصدير السلع الممنوع تداولها محليا DPG’S .

        §          حقوق الملكية الفردية TRIPS  وعلاقتها بالبيئة.

        §          البيئة والتجارة في الخدمات.

 

 

 

3-        التوجهات البيئية التي تسعى الدول المتقدمة تضمينها في التجارة وتخوفات الدول النامية:

 

إن مواجهة المخاطر البيئية التي يواجهها عالم اليوم تستحق الكثير من الجهود والاهتمام من قبل كافة دول العالم ، كما تستحق قدرا كبيرا من التنسيق والعمل المشترك في عدد من المجالات ، وفي هذا الإطار فإنه  من الطبيعي أن يكون لكل دولة الحق في مراقبة التأثيرات المحتملة التي تتضمنها على نحو آخر المبادلات التجارية مع باقي الدول الأخرى لحماية بيئتها ضد الأضرار المحتملة ، غير أنه في نفس الوقت فإن على كل دولة مسؤولية مشتركة وإن كانت متفاوتة في مواجهة مشكلات البيئة العالمية ، إلا أن التوجهات المتزايدة للاعتبارات البيئية في التجارة الدولية أصبحت مصدر إزعاج متزايد من دول العالم وبخاصة الدول النامية، فمثلا تمثل المغالاة في تطبيق المعايير البيئية ( المقاييس البيئية والصحية الإلزامية، معايير الأداء ، ممارسات صديقة للبيئة ، مواصفات بيئية وتوفير معلومات عن المنتج أو ما يعرف بالعنونة البيئيةEco-labeling المعتمد على تحليل دورة الحياة للمنتج ، معايير العمليات التي تحدد المسموح به من التكنولوجيا والعمليات الإنتاجية) ذات المستويات العالية من قبل الدول المتقدمة نوعا من الحماية التجارية التي تراها الدول النامية غير عادلة وتقلل من قدرتها على بلوغ الأسواق وتذهب أدراج الرياح بما قد تحوزه بعض تلك الدول من عناصر الميزة النسبية والقدرة التنافسية.

 

ومن جهة ثانية فإن ما تسعي الدول المتقدمة إلى فرضه على غيرها من الدول من معاييرها البيئة الخاصة يؤدي في حالة الاستجابة له إلى توجيه السياسات البيئية للدول النامية نحو المواءمة مع توجهات واهتمامات الدول المتقدمة، وبالتالي تصبح الأولويات البيئة والوطنية انعكاسا لما ترغبه الأسواق الخارجية وليس وفق المصالح الخاصة للدول النامية.

 

كذلك تمثل قضية التسعير البيئي وإدخال التكاليف البيئية المباشرة وغير المباشرة   Externalities  مثل تكاليف الموارد الطبيعية كالمياه والآثار غير المباشرة للتلوث ، تمثل أهمية خاصة في تخوفات الدول النامية والتي إذا ما أدخل ضمن مبادئ  التجارة الدولية سينتج عنه توقف العديد من الدول النامية عن إنتاج كثير من المنتجات وخاصة الزراعية والغذائية والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد ، الأمر الذي لا يتفق مع اعتبارات الأمن الوطني.

 

     

 

 

 

 

بقلم: م.م.ش

مارس 2001